محيي الدين الدرويش
9
اعراب القرآن الكريم وبيانه
أي البعيدة ، « والركب أسفل منكم » لأن سيف البحر في غور ، وبدر في نجد بالنسبة إليه ، وأراد أن يخبر عن وقوع اللقاء بغير ميعاد ، وعدل عن لفظ المعنى إلى لفظ الارداف فلم يقل فالتقوا من غير ميعاد ، بل قال : « ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد » لخروج لفظ الإرداف مخرج المثل ليكون أسير وأشهر ولو وقع الاقتصار على هذا المقدار لاحتمل أن يقال : فما الحكمة في حرمان اللّه رسوله والمسلمين هذه الغنيمة الباردة لأجل منها . وهي فتح مكة واستئصال أموال أهلها ، فإن اختياره لهم لقاء النفير دون العير ليقتل حماة مكة وصناديدها فيتمكن المسلمون من فتحها وكذلك كان ، وقد كان مراد المسلمين لقاء العير دون النفير بدليل إخباره سبحانه عنهم بذلك في قوله : « ويودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم » يعني العير ، فإن ذات الشوكة : النفير ، لأن الشوكة السلاح ، فأرادوا هم ذلك ، وأراد اللّه خلافه لعلمه بالعواقب ، فأوقع اللقاء من غير ميعاد لهذه المصلحة ، وأخرج الإخبار به مخرج المثل لما بينّا من فائدة ذلك ، ثم قوى دليل الكلام بذكر العلة في تقويت تلك المصلحة الظاهرة ، حيث قال بلفظ الاستدراك : « ولكن ليقضي اللّه أمرا كان مفعولا » ، ثم فصل ما أجمله في الاستدراك بقوله : « لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ » ، فاتضح الإشكال ، وارتفع ما قدر من الاحتمال وأبان عن المعنى أحسن بيان ، فحصل في هذه الكلمات أربعة عشر نوعا من البلاغة وهي : الإيجاز ، والترشيح ، والإرداف ، والتمثيل ، والمقارنة ، والاستدراك ، والإدماج ، والإيضاح ، والتهذيب ، والتعليل ، والتنكيت ، والمساواة ، وحسن النسق ، وحسن البيان .